الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

94

مناهل العرفان في علوم القرآن

ا - شبهات المنكرين لجوازه عقلا لا ريب أن مذهب المنكرين لجواز النسخ عقلا ، هو أخطر المذاهب وأشنعها ، وأبعدها عن الحق وأوغلها في الباطل . ومجرد إنكار الجواز العقلي يستلزم إنكار الوقوع الشرعي ، وهل يقع في الوجود ما أحاله العقل ؟ لهذا نبدأ بتفنيد هذا المذهب ودفع شبهاته . الشبهة الأولى ودفعها : يقولون : لو جاز على اللّه تعالى أن ينسخ حكما من أحكامه ، لكان ذلك إما لحكمة ظهرت له كانت خافية عليه ، وإما لغير حكمة . وكل هذين باطل . أما الأول فلأنه يستلزم تجويز البداء والجهل بالعواقب على علام الغيوب ، وأما الثاني فلأنه يستلزم تجويز العبث على الحكيم العليم اللطيف الخبير . والبداء والعبث مستحيلان عليه سبحانه بالأدلة العقلية والنقلية . فما أدى إليهما وهو جواز النسخ محال . وندفع هذه الشبهة بأن نسخ اللّه تعالى ما شاء من أحكامه ، مبنى على حكمة كانت معلومة له أولا ، ظاهرة لم تخف عليه ولن تخفى عليه أبدا ، غاية الأمر أن مصالح العباد تتجدد بتجدد الأزمان ، وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، وأسراره وحكمه سبحانه لا تتناهى ، ولا يحيط بها سواه . فإذا نسخ حكما بحكم ، لم يخل هذا الحكم الثاني من حكمة جديدة غير حكمة الحكم الأول ، هي مصلحة جديدة للعباد في الحكم الجديد ، أو هي غير تلك . وسبحان من أحاط بكل شئ علما . وإذن فلا يستلزم نسخ اللّه لأحكامه بداء ولا عبثا ولكن هؤلاء الجاحدين غفلوا أو تغافلوا عن هذا ، حتى جاء الترديد في شبهتهم ناقصا لم يستوف وجوه الاحتمالات كما ترى . ولو استوفوه لقالوا : النسخ إما أن يكون لحكمة ظهرت للّه كانت خافية عليه ، أو لحكمة كانت معلومة له لم تكن خافية عليه ، أو لغير